Make your own free website on Tripod.com

 

  

 الصفحة الرئيسية فوق بيانات الجمعية ملاحظات الزوار بحث روابط للإتصال بالجمعية أخبار الجمعية

 

 

حقوق الإنسان بين الغياب القسري و التهجير

 

المحامي هيثم المالح (رئيس جمعية حقوق الإنسان في سوريا)

 

 

في معاجم اللغة ورد :غاب عكس حضر، وغيبه أبعده وواراه ،وهاجر ترك وطنه، وخرج من

مكان كذا أو عنه ، تركه وخرج منه إلى غيره ،وهجر القوم هجرهم وانتقل إلى آخرين .

المهجر المكان يهاجر إليه أو منه ،الهجرة الخروج من أرض إلى أخرى و يقال أيضا نفاه نفيا

أو  غيبه و أبعده ، نفى الحاكم فلانا أخرجه من بلده و طرده .

و الغياب يمكن أن يكون عن الدار أو عن البلد إلى بلد أخر دون أن يجتاز الحدود فإذا تجاوزها إلى بلد أخر تحت ضغط أو إكراه أو بنية الاستقرار في ذاك البلد ،عد مهاجرا أو

مهجرا و أحكام الغياب في القوانين المدنية نرجعها إلى الشريعة الإسلامية التي بحثت بشكل

مستفيض في بطون كتب الفقه عن الغائب الذي لا يعرف موطنه و الذي هو بحكم المفقود و

قد عددت المادة 203 و ما بعدها من قانون الأحوال الشخصية السوري حكم الغائب الذي لا

يعرف موطنه و قد أطلق عليه المفقود كما يلي:

يعتبر كالمفقود الغائب الذي منعته ظروف قاهرة من الرجوع إلى مقامه أو إدارة شؤونه بنفسه

آو بوكيل عنه مدة أكثر من سنة وتعطلت بذلك مصالحة أو مصالح غيره .

و الغائب يمكن أن يكون غائبا مدة قصيرة أو طويلة فإذا بقي بعيدا للدراسة أو للتجارة أو ما

سوى ذلك فهو غائب فعليا  و جميع حقوق هذا الغائب محفوظة في القوانين الوضعية سواء كانت حقوقا معنوية أو حقوقا مادية فلا يمكن أن تمس خارج إطار القانون .

أما إذا غاب الإنسان عن موطنه تاركا عمله الوظيفي أو خدمته العسكرية و ما سوى ذلك فإنه

تسري عليه أحكام هذه القوانين و التي سوف ندرجها فيما بعد وسأعرض في بحثي للنقاط التالية :

1.                     الغياب القسري أو التهجير تاريخيا و الأسباب المؤدية له  

 

2.                     حقوق المهجر أو المغيب قسريا أمام قانون وطنه

 

3.                     المقارنة بين النص النظري و التطبيق الواقعي  

 

4.                     الإنسان العربي أمام الصبر على المكاره  

 

5.                     ما هو المطلوب

 

1 ـ الغياب القسري أو التهجير تاريخيا:

الهجرة حسب تعريف قسم السكان في هيئة الأمم المتحدة هي ظاهرة جغرافية يعنى بها انتقال

السكان من منطقة جغرافية إلى أخرى ، و ينتج عن ذلك تغيير مكان الاستقرار الاعتيادي للفرد، أي تغيير هذا المكان عبر الوحدات الجغرافية ذات الحدود الدولية الواضحة و قد شهد العالم منذ فجر التاريخ تحركا بشريا مكثفا بين أصقاع العالم، و هو ما أشار إليه المؤرخون  كالهجرة من مناطق الشمال في آسيا باتجاه الجنوب الهندي و الهند الصينية   و كان من أهم البواعث المناخ و البيئة .

إلا أن هناك نوعا آخر من الهجرة هي التغييب القسري أو الهجرة القسرية و هوما يعنينا هنا

و قد يكون التغييب القسري اعتقالا لأسباب سياسية أو سواها ،فسميت كذلك تغييبا قسريا، إلا

أنني أعتقد أنه ليس هو المطلوب و إن ما  يعنينا هو الملاحقة السياسية التي تؤدي إلى الغياب

 

القسري أو التغييب القسري أو التهجير.. 

و لعل أول من باشر الهجرة القسرية هو النبي موسى عليه السلام حين نأى بقومه إسرائيل من

مصر عابرا بهم البحر وذلك كما قال تعالى في القران الكريم (وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي  بني إسرائيل ) .

و ( قال الملا من قوم فرعون أن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون )[1]و الآيات كثيرة تدلنا كيف سار موسى بقومه حتى عبروا البحر باتجاه فلسطين نائيا بهم من طغيان فرعون و بطشه.

ثم كانت موافقة رسول الإسلام محمد صلى الله عليه و سلم إلى أصحابه، بالهجرة القسرية إلي

الحبشة حيث امتدت سنوات طوال، ثم أعقبها هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة ،التي كان من أهم أسبابها اضطهاد المسلمين من قبل مشركي مكة فتمت الهجرة و تأسست نواة الدولة الاسلام. كما قال تعالى (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا آمنا بالله)

و في العصر الحديث تستمر أعمال التغييب القسري أو التهجير من البلدان التي يسودها حكم استبدادي شمولي، و قد عالج المفكر المصري هذه المشكلة في مناقشته لأثر الهجرة على استقرار النظام السياسي في مصر قائلا: ( إن وجود عناصر المعارضة المصرية في بلدان النفط المجاورة يمثل نعمة و نقمة بالنسبة للنظام السياسي فمن ناحية يمثل غيابهم  عن الساحة المصرية أضعافا لصفوف المعارضة الداخلية و النظام يرحب بذلك اعتقادا أو أملا منه أن هؤلاء المعارضين سيعكفون على جمع الثروة بدلا من إشعال الثورة .

و قد حدث بالفعل أن بعضهم تحول من مجال السياسة إلى ميدان التجارة و النشاطات المهنية

خارج مصر ،إلا أن هناك قلة لا تزال ترفع صوتها بانتقاد النظام و قد وجدت منفذا سهلا لتمرير أفكارها من خلال وسائل الإعلام في البلدان المضيفة[2]و هذا يعني أن الهجرة لبلاد النفط و المال  كتلك القادمة من الدول العربية كمصر والعراق و الشام و اليمن و السودان .. قد أزاحت جزء من  عناصر عدم الاستقرار بتصدير المشكل بعيدا عن الحدود الجغرافية لدول المنشأ .[3]

و قد حدث العديد من الهجرات القسرية عبر التاريخ الحديث سواء في الاتحاد السوفيتي سابقا

أو حين قام النازيون بتهجير جماعات مختلفة من الدول الأوروبية إلى دول أخرى ،و ما أشنع

ما نراه اليوم لهذا العدد الهائل من اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من بلادهم بسبب العنصرية والإرهاب الصهيوني و قرار دولي من الأمم المتحدة التي خلقت المأساة كاملها منذ

إنشائها لدولة العدوان.

هذه صور سريعة لبعض جوانب التغييب القسري أو الهجرة القسرية عرضتها فقط في السياق التاريخي.

وبالإضافة إلى المسبب السياسي في التغيب القسري والذي قدمناه أنفا من خلال ممارسات

الأنظمة القمعية الاستبدادية ،فإننا لا نستطيع آن نغفل السبب الاقتصادي الذي يشدد الخناق

على الناس ،والذي يتمثل في بعض الدول التي تنشا فيها احتكارات النظام وأفراده وأبنائه

للثروة و امتصاص هذه الثروة من جيوب الناس إلى جيوب محاسيب السلطة وأنصارها مما

يجعل التساوي في فرص العمل معدوما مما يدفع الناس إلى الغياب القسري أو الهجرة القسرية

والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى في عالمنا العربي

 

و لكن ما هو وضع المهجر أو المغيب قسريا أمام قانون بلاده؟

 

يحدد قانون كل دولة حقوق وواجبات مواطنيها الغائب منهم والحاضر فبقدر ما يكون القانون

ضامنا لحريات الناس وحقوقهم وواجباتهم حاميا لها من العدوان و الافتئات مقدرا كرامة المواطن ، باسطا حمايته للمساواة بين رعايا الدولة يشعر الإنسان عندها بالأمان و الاطمئنان سواء كان مستقرا في الوطن أم غائبا عنه ،إلإ أنه أحيانا تأتي بعض القوانين لتنتقص من هذه الحقوق أو تحددها .

و سآخذ مثالا لشرح هذه الأحكام من خلال تناولها في بلدي الذي أنتمي إليه.

 

ففي سوريا على وجه التحديد :

في الدستور:     

أـ نص الدستور السوري في المواد 15 و 17 على صيانة حق الملكية :

المادة 15 ( 1 ـ لا تنزع الملكية الفردية إلا للمنفعة العامة و مقابل تعويض عادل وفقا للقانون .

             2 ـ المصادرة العامة في الأموال ممنوعة.

             3 ـ لا تفرض المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي.

             4 ـ تجوز المصادرة الخاصة بقانون لقاء تعويض عادل. )

 

المادة 17 ـ (يعين القانون الحد الأقصى للملكية الزراعية بما يضمن حماية الفلاح و العامل

               الزراعي من الاستغلال و يضمن زيادة الانتاج. )

 

كما نص في المادة 25 على تكافؤ الفرص

(1 ـ الحرية حق مقدس و تكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية و تحافظ على كرامتهم و أمنهم .

2 ـ سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع و الدولة .

3 ـ المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق و الواجبات.

4 ـ تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين . )

 

كما نصت المادة 28 على ضمان حرية المواطن (1 ـ كل متهم برئ حتى يدان بحكم قضائي مبرم.

2 ـ لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا وفقا للقانون .

3 ـ لا يجوز تعذيب أحد جسديا أو معنويا أو معاملته معاملة مهينة و يحدد القانون عقاب من يفعل ذلك.

4 ـ حق التقاضي وسلوك سبيل الطعن و الدفاع أمام القضاء مصون بالقانون.)

 

كما نصت المادة 33 على عدم جواز إبعاد المواطن عن وطنه( 1 ـ لا يجوز إبعاد المواطن عن أرض الوطن.

2 ـ لكل مواطن الحق بالتنقل في أراضي الدولة إلا إذا منع من ذلك بحكم قضائي أو تنفيذا لقوانين الصحة و السلامة العامة.)

 

ب ـ الخدمة العسكرية إلزامية على جميع  المواطنين الذكور في حدود قانون خدمة العلم ،

فإذا غادر مواطن سوري وطنه  عندما يكون خاضعا للخدمة الإلزامية أو قائما بهذه الخدمة

 

 فحكم كل منهما يختلف، فإذا كان مدعوا للخدمة ولم يمارسها فيعتبر متخلفا عنها وتطبق بحقه

نصوص قانون خدمة العلم من المادة 57 وما بعدها ،و التي تحدد العقوبات المفروضة على

المتخلفين حسب وضعهم. أما إذا كان قائما بالخدمة الفعلية و غادر البلاد فيعتبر قد ارتكب

جناية الفرار الخارجي وتطبق بحقه المادة 101 من قانون العقوبات العسكري المعدلة

بالمرسوم 31 لعام 1973 و تعتبر العقوبة من نوع الجناية .إلا أن واقع الخدمة العسكرية

أضحت ممجوجة كليا في نظر المكلفين لما يجدونه في أثناء خدمتهم في القطعات ،ذلك أنه بعد

أن زج بالجيش في السياسة أضحت الخدمة الإلزامية ليست خدمة للعلم كما يقال و إنما خدمة

للضباط ، ففي أيام الانتداب الفرنسي على سوريا كان يفرز للضابط جندي لخدمته في منزله و

عقب الاستقلال اعتبر هذا التدبير ماسا بكرامة المواطن ،و استعيض عنه بما يسمى بدل وصيف إلا أنك الآن إذا تجولت في شوارع أية مدينة أو قرية فستجد عجبا عجابا ،إذ تنتشر الغرف المتحركة على أرصفة الشوارع التي يقطن في بعض دورها ضباط عسكريون، إذ نجد هذه الغرف ملآى بالمجندين الذين يخدمون هذا الضابط و أسرته ، و هكذا تحولت خدمة العلم

إلى خدمة الضباط و بالتالي لم يعد هناك التدريب الصحيح و لا الخدمة بمعناها القانوني.

ج ـ بسط قانون العقوبات رقابة صارمة على الموظف لدى الدولة الذي يترك وظيفته قبل

قبول استقالته و ذلك في المادة 364 مكرر من قانون العقوبات و التي نصت على ما يلي :

(أ ـ  يعاقب بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات و بغرامة لا تقل عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة كل من ترك عمله أو انقطع عنه من العاملين في الوزارات أو الإدارات أو المؤسسات أو الهيئات العامة أو البلديات أو المؤسسات البلدية أو أي من جهات القطاع العام أو المشترك قبل صدور الصك القاضي بقبول استقالته من المرجع المختص، و كذلك كل من اعتبر من هؤلاء بحكم المستقيل لتركه العمل أو انقطاعه عنه مدة خمسة عشر يوما .

ب ـ يعاقب بنفس العقوبة كل من نكل عن أداء التزامه بالخدمة في الجهات المبينة في الفقرةأ

من هذه المادة سواء كان الالتزام نتيجة للإيفاد ببعثة أو منحة أو إجازة دراسية ،و تصادر أمواله المنقولة و غير المنقولة .

ج ـ في كل الأحوال يحرم المشمولون بأحكام هذه المادة من حقوقهم لدى الدولة و يلزمون بالإضافة إلى ذلك بجميع الاضرار الناجمة عن ترك العمل أو الانقطاع عنه.

د ـ لا تطبق الأسباب المخففة التقديرية على الجرائم المعاقب عليها بموجب حكم هذه المادة كما لا تطبق عليها أحكام وقف التنفيذ المنصوص عليها في المادة 168 و ما يليها من قانون العقوبات.

ه ـ يعفى من العقوبة و لمرة واحدة من عاد للخدمة أو وضع نفسه تحت تصرف الدولة خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تحريك الدعوى العامة بحقه .

و ـ تلغى كافة النصوص المخالفة و على الأخص ما يتعارض من المادتين 72 و 80 من قانون العمل رقم 91 لعام 1959 و تعديلاته مع أحكام هذه المادة .)

 

كذلك جاءت العقوبة قاسية في المادة 22 من قانون العقوبات الاقتصادية حيث نصت على ما يلي :

(أ ـ يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات من ترك عمله في الدولة و غادر البلاد دون إذن خاص من الجهة التي يعمل أو كان يعمل فيها .

ب ـ و يعاقب بنفس العقوبة من نكل عن أداء التزامه بالخدمة في الدولة سواء كان الالتزام نتيجة للإيفاد لبعثة أو منحة أو إجازة دراسية أو نتيجة الدراسة على نفقة الدولة و تصادر أمواله المنقولة و غير المنقولة .

ج ـ و في كل الأحوال يحرم المشمولون بأحكام هذه المادة من حقوقهم لدى الدولة .

 

د ـ يعفى من العقوبة من عاد للخدمة أو وضع نفسه تحت تصرف الدولة خلال ثلاثة أشهرمن تاريخ تحريك الدعوى بحقه. )

من استقراء هذه النصوص نراها تشكل سيفا مسلطا على رقاب الناس سواء كانوا موظفين في الدولة أم كانوا عسكريين أو مطلوبين للخدمة العسكرية .

إلا أننا لو عدنا إلى الحقوق المدنية فإن في حدود القوانين نصوص لا تنقص من حقوق الغائب

أو المهجر شيئا .إلا ما قد يتعرض له من مصادرة لأمواله و ما سوى ذلك تبعا للنصوص التي مر ذكرها.

ج ـ و حق الإرث حق مضمون لأنه بمقتضى المادة / 825 / من القانون المدني فإن الوارث يعتبر مالكا للموروث من تاريخ الوفاة ،و بالتالي فإن أي حرمان لملك أي مالك في ملكه لا بد له من حكم قضائي مسبب. و على هذا فإن الأصل أن حقوق الغائبين أو المغيبين ينبغي أن تكون محفوظة لا ينال منها أي انتقاص إلا في حدود القانون إلا أننا يمكن أن نعتبر بأن من اضطر لأن يغادر بلده بسبب قهري يكون في ظل ما يسمى (القوة القاهرة ) و بالتالي فله أن يتمسك بها أمام أي مرجع قضائي. .

و لكن القانون ذاته قد فصلته الدولة على مقاسها كما هو الحال في قانون العقوبات الاقتصادية و كما هو الحال في الكثير من القوانين التي تتنافى مع الدستور كما تتنافى مع الإعلان العالمي لحقوق الانسان.

قانون الطوارئ :

و سندا لقانون الطوارئ و الأمر العرفي الصادر في الثامن من آذار 1963 بإعلان حالة الطوارئ في سوريا منذ ذلك الحين و حتى الآن استباح نائب الحاكم العرفي القوانين و ما استتبع ذلك من خرق للدستور و لجميع الأعراف الدينية و الوطنية و الدولية ،فراح يصادر الممتلكات و يزج بالناس  في السجون و يسوقهم جماعات ليحاكموا أمام محاكم عسكرية لا يتوفر فيها الحد الأدنى من الدفاع كما لا يتوفر في الجالسين على منصة القضاء فيها أي مفهوم للحق و العدالة و القانون ، فراحوا يصدرون أحكاما لا يمكن تسميتها إلا باسم واحد و هو حكم الجزار . و ليس فوق هذه المحاكم أية رقابة قضائية و قانونية ،و باسم هذه الأحكام تم اعدام الناس بالعشرات بل بالمئات، و حتى من أفرج عنه و يملك كل الحق لاعادة اعتباره بنص القانون فلا توافق هذه المحاكم على استلام طلبات لإعادة الاعتبار. فأين حقوق المواطن؟؟

و على هذا و من نافلة القول سندا لما تقدم فإن السلطة التشريعية التي من المفروض أن تكون قد انتخبت في جو كامل من الحرية و من ضمان عدم التدخل ،من المفروض في مثل هذه السلطة أن تصدر القوانين التي تنبع من مصلحة الشعب لا التي تكون محققة لرغبات النظام ،و بالتالي فإن أي سلطة تشريعية لا يكون فيها التمثيل الحقيقي للشعب سوف لا تتورع عن إصدار القوانين التي تلبي رغبات النظام .

 

و لكن قد يتساءل المرء و أين هي الرقابة على دستورية القوانين ؟

و الحقيقة أن هذا السؤال وجيه جدا و جوهري لكشف حقائق التسلط لأي نظام تسلطي .فالمحكمة الدستورية هي المختصة في بحث دستورية القوانين و لكن ما هي صلاحيات هذه المحكمة في سوريا مثلا ؟

لا تستطيع المحكمة الدستورية في سوريا بسط رقابتها على دستورية القوانين إلا إذا أحيلت إليها من قبل رئيس الجمهورية أو ربع أعضاء مجلس الشعب و بالتالي فهذه المحكمة إنما هي شكل بغير مضمون و اسم بلا مسمى فالعديد من القوانين تتنافى مع الدستور الذي وضعه النظام و لكن لا أحد يستطيع أن يلغيها أو يعطل نفاذها.

لقد تم إلغاء كافة قوانين المهن العلمية و استعاض النظام عنها بقوانين ألحقت هذه النقابات بعجلة النظام و كلها غير دستورية و لكن؟

 

هذا عرض موجز لحقوق المغيب أو المهجر في القوانين المرعية و لكن أين هذه النصوص من الواقع العملي؟

بمقتضى قانون الطوارئ و بمخالفة هذا القانون نفسه تتم مصادرة أموال الناس و أملاكهم.

تقام الدعوى أمام المرجع القضائي ثم يصدر الحكم باعتبار الأمر العرفي معدوما و بالتالي لا أثر له  إلا أن الحكم لا يمكن تنفيذه و نائب الحاكم العرفي يضرب عرض الحائط بأمثال هذه الأحكام.

 ـ أمامكم حكم من هذا القبيل على سبيل المثال لا الحصر.

ـ تلجأ الأجهزة الأمنية لتهديد أصحاب المال أو وكلائهم ففي الحكم السابق تلقت المحكوم لها تهديدا من أحد أرفع الضباط في جهاز الأمن بقوله نحن نستطيع إحضار وكيلك .

ـ أحكام عديدة لا تنفذ حصلت على أحدها منذ ثمانية و عشرين عاما على إحدى الوزارات و لكني لم أستطع تنفيذ الحكم حتى الآن.

تقدمت بشكاوى إلى مجلس الشعب و إلى رئاسة الجمهورية و إلى رئاسة مجلس الوزراء .. لم أتلق جوابا حتى الآن و أمامكم إحدى المذكرات المقدمة إلى مجلس الشعب .

ـ الوكالات التي ترسل للمحامين من خارج القطر لا يمكن استعمالها إلا إذا وافقت أجهزة الأمن عليها و بعضها يحتاج لموافقة وزير الداخلية و في حال الرفض تضيع حقوق الناس و

لكن لا من يجيب و من يحاسب من ؟

ـ كل بيع أو تأجير أو تصرف بوكالة يحتاج لموافقات أمنية محددة، و يعلو كل ذلك فساد منتشر في سائر أرجاء الدولة، فكيف يمكن لنا أن نوقف هذا السيل الهادر من المهجرين قسريا‍‍‍‍؟ بل كيف نستطيع حماية المواطنين في الداخل ؟؟

و ما هو الحل لامكان حمايتهم في بلدهم الأصلي مع وجود طغيان كبير للأجهزة الأمنية على سائر مرافق الحياة ؟

من هذا يتبين لنا أن النصوص القانونية في واد و الواقع العملي في واد آخر و لا رابطة بين الطرفين .

و قد قلت يوما لأحد المسؤولين بأنني عازم على تمزيق شهادتي و الانكفاء في داري قال لي لماذا؟ قلت لأن موظفا في الدرجة العاشرة في الدولة يستطيع أن يعطل قانونا بأكمله!

 

مقارنة تاريخية : بعد هذا العرض الموجز أود أن أعود إلى الوراء كثيرا ففي ما يسمى بالعصور الوسطى أو عصور الظلمات كانت الدولة الإسلامية هي الدولة الوحيدة و القوة الحضارية المتفوقة في العالم تمتلك العلوم و الفنون و القوة الرادعة .

و كان الغربي في أوروبا الذي يغط في ظلمات الجهل و الفساد و السرقة و الاغتصاب و التخلف يذهب إلى دولة الإسلام في الأندلس حيث يدرس هناك و يتعلم العربية ثم يعود لوطنه حاملا معه العلوم بيد و الصبر و الجلد في القلب.يحتمل كل متاعب الحياة و يصبر على الأذى .حتى تمكن هذا الإنسان الغربي من النهوض بوطنه ،و لم يعمد هذا الغربي إلى طلب اللجوء أو محاولة البقاء في دولة الأندلس و إنما كان يعود ليساهم في نهضة بلاده ،و لكننا مع الأسف الشديد نفتقد إلى الصبر على الأذى و معظم من غاب عن بلده ينتظر التغيير على يد غيره حتى يقطف الثمرة دون عناء و لكن لم ندر أنه لا بد للشهد من ابر النحل.

 

ما هو المطلوب ؟

بعد هذا العرض الموجز سأحاول أن أخرج عن الموضوع قليلا .

يترك العالم الإسلامي عامة يوميا ألف شخص متحركين نحو الغرب ورغم أنني  لم أقع على إحصاء عن عدد المغادرين من العالم العربي و لكنه ليس قليلا على أية حال. و جل المغادرين من أصحاب الفعاليات العلمية.

أنا من الناس كثيري الأسفار ،وأينما اتجهت و حيثما حللت أجد أناسا يتكلمون العربية، في

 

الشارع على الناصية في كل مكان .أو ليس هذا مؤشرا على ضخامة النزوح العربي ؟.

لا أستطيع أن أقول أن جميع أبناء العربية قد غادروا بلادهم لأسباب قسرية إلا أن عددا منهم

لا ريب قد غادر قسريا.

إن وجود الجاليات العربية اليوم في الغرب أمر واقعي ليس له حل في المنظور القريب طالما أن الأنظمة القمعية لا تزال تتربع على عروش الحكم .

تسير في الولايات المتحدة  فتجد مدينة الصينين ،طوكيو الصغيرة ، مدينة اليهود ،مجتمع المكسيكيين .. و هذه المجتمعات المتكتلة  تشكل أجزاء هامة من الولايات المتحدة و من الشعب الأمريكي .و لكن أين المجتمع العربي أو التجمع العربي .المطلوب هو إحصاء يمسح بشكل دقيق تواجد كل عربي في كل دولة و مدينة و قرية مع الإحاطة الكاملة بمواصفات كل فرد و فعالياته ثم إيجاد صلة ما لشد أواصل التلاحم بين كل  منهم ،و في هذا السياق  تشكيل منتديات أو نواد أو مراكز ثفافية تجمعهم.المطلوب هو إيجاد صيغة ما لان يكون لهم مركزا ماليا يستطيع أن يمول بنك معلومات يستطيع أن يصدر نشرات دورية مكثفة مما يهم المهجرين في المهجر عن أوضاعهم و أوضاع أمتهم و ما يحاك ضدها من مؤامرات ... الخ ما هناك.ثم يمكن أن يتولد من كل ذلك معارضة سياسية تنظم و تنسق مع الداخل بغية إيجاد التغيير في البلاد الأم ،لعل هذا يكون سببا في عودة المهجرين أو على الأقل وقف النزيف البشري إلى الخارج.

 

 

 

 


 

[1] سورة الأعراف آية 104 –105-110-111

[2] سعد الدين إبراهيم ـ عن عالم الفكر العدد الثاني.

[3] المرجع السابق

[الصفحة الرئيسية] [فوق] [الصفحة التالية]

 

 الرجاء إرسال أي بريد الكتروني  بخصوص موقع الجمعية إلى  hrassy@ureach.com
Copyright © 2002 HRAS-Syria
آخر تحرير لهذه الصفحة: 2002-05-23 

Hit Counter